الوجود… أو ثلاثية الحياة
تعالوا
نتأمل قليلًا في هذا الوجود الذي نعيش فوقه، ونسأل أنفسنا: ما الذي يُبقي الإنسان
حيًّا، متحركًا، قادرًا على الاستمرار والعمل والتفكير؟
لو
أردنا أن نختصر مقومات الحياة الأساسية، لوجدناها تدور حول ثلاثة أركان عظيمة:
الماء، والهواء، والطعام.
هذه
الثلاثية ليست أمورًا عابرة، بل هي عصب الحياة وشريان البقاء، ولولاها لتوقفت حركة
الإنسان وانقطع امتداد الحياة على سطح الأرض.
أول هذه الأركان هو الهواء…
ذلك العنصر الذي لا نراه بأعيننا، لكننا
نشعر بقيمته مع كل نفس يدخل إلى صدورنا. فالإنسان قد يصبر على الطعام ساعات طويلة،
وقد يتحمل العطش لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يستغني عن الهواء إلا دقائق
معدودة.
إنه
سر النفس، ومصدر الأوكسجين الذي يغذي الجسد ويمنحه القدرة على الحركة والاستمرار.
ولو اختل هذا الهواء أو تلوث، انعكس ذلك مباشرة على صحة الإنسان وروحه وحياته.
أما الركن الثاني فهو الطعام…
الوقود الذي يمد الجسد بالطاقة والقوة.
فالإنسان قد يصوم أو يقلل من طعامه أيامًا، لكنه لا يستطيع أن يهمله إلى الأبد.
ومن هنا تأتي أهمية أن ينظر الإنسان بعناية إلى ما يدخل جوفه؛ لأن الطعام ليس مجرد
لذة عابرة، بل هو بناء للجسد والفكر والصحة.
ولهذا
كان من الضروري اختيار الطعام الصحي النقي، والابتعاد عن الخبائث وكل ما يرهق
البدن ويؤذيه. فكما يحرص الإنسان على غذاء عقله بالمعرفة والثقافة، عليه أيضًا أن
يحرص على غذاء جسده بما ينفعه ويقويه.
وثالث هذه الأركان، بل سر الحياة كلها، هو الماء…
ذلك السائل العجيب
الذي جعله الله أصل الوجود، فقال سبحانه: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾.
فالماء
يشكل النسبة الكبرى من جسم الإنسان، وهو الذي يمنحه الحيوية والنشاط ويجدد خلاياه
ويُبقي الحياة نابضة في داخله.
لا
يستطيع الإنسان أن يستغني عن الماء، فهو رفيق الحياة منذ اللحظة الأولى وحتى آخر
العمر. وكلما كان الماء نقيًا صافياً، كانت الحياة أقرب إلى الصحة والعافية.
إن
هذه الثلاثية: الماء والهواء والطعام، ليست مجرد حاجات يومية، بل هي نظام متكامل
يحفظ للإنسان وجوده واستمراره. ولذلك ينبغي للإنسان أن يتفكر فيها كما يتفكر في
أفكاره وثقافته ومعرفته، وأن يُحسن اختيار ما يشربه وما يأكله وما يستنشقه، لأن
صلاح الجسد من صلاح هذه الثلاثية، وفسادها ينعكس على حياة الإنسان كلها.
ومع
الأسف، فإن الإنسان الحديث، رغم ما وصل إليه من تطور وتكنولوجيا، بات يواجه تحديات
كبيرة في هذه المقومات الثلاثة؛ فالماء تلوث، والهواء اختنق بالدخان والملوثات،
والطعام دخلته الصناعات والمواد الضارة، حتى أصبحت العودة إلى البساطة والطبيعة
حلمًا يتمناه الكثيرون.
إنها دعوة للتأمل…
أن نراجع علاقتنا بالحياة، وأن نعيد النظر في أبسط الأشياء التي
بدونها لا نستطيع أن نعيش، فربما كانت أعظم النعم هي تلك التي اعتدنا وجودها حتى
نسينا قيمتها.
إرسال تعليق