U3F1ZWV6ZTM3NDI4MTc4MTgxNzE1X0ZyZWUyMzYxMjkzMTI0MzgyNg==

الإعجازُ العلميُّ في جسم الإنسان

 

الإعجازُ العلميُّ في جسم الإنسان

المقدمة:

قبل أن تبحثَ عن الله في السماوات البعيدة أو في أعماق المحيطات، انظر إلى أقرب شيءٍ إليك: جسدَك. هذا الكيانُ الذي تسكنُه منذُ لحظة ميلادك، والذي اعتدتَ عليه حتى غفلتَ عن عجائبه، هو أعظمُ معرضٍ للقدرة الإلهية على وجه الأرض.

قالوا: "وفي الإنسان من العجائب الدالَّة على عظمة الله وقدرته ما تنقضي الأعمارُ في الوقوف على بعضه، وتعجزُ العقولُ عن إدراك كنهه، وتعجزُ الألسنةُ عن وصفه."

وهذا ليس مبالغةً شاعرية، بل حقيقةٌ أثبتَها العلمُ الحديث بما لم يستطع أن يُفسِّرَه بعد حتى اليوم.

أوَّلًا: الدماغ ــ الكونُ المُصغَّر في الجمجمة

يزنُ الدماغُ البشريُّ ما بين كيلوغرامٍ ونصف، وهو بهذا الوزن الزهيد يحملُ من الأسرار ما يُعجزُ أعتى الحواسيب في العالم. في رأس كل منَّا ثلاثمئة ألف شعرة، لكلِّ شعرة بصلةٌ ووريدٌ وشريانٌ وعضلةٌ وعصبٌ وغدَّةٌ دهنية وغدَّةٌ صبغية.

أمَّا خلايا الدماغ نفسها فهي مملكةٌ لا حدودَ لها: يضمُّ الدماغُ نحو مئة مليار خلية عصبية، تتواصلُ فيما بينها عبر مئة وخمسة وعشرين ألف كيلومتر من الألياف العصبية ــ أكثرُ من ثلاثة أضعاف محيط الأرض. وكلُّ خليةٍ منها قادرةٌ على التواصل مع عشرة آلاف خليةٍ أخرى في الآنِ ذاته.

الدماغُ لا يتبدَّل مع تجديد خلايا الجسم، لأنَّه إذا تبدَّل الدماغُ فقدَ الإنسانُ ذاكرتَه ومعارفه وعلمَه كلَّه. ففي الدماغ المعلوماتُ والعلمُ والذاكرة، وهذا سرُّ بقائه دون تجديد.

والدماغُ يعملُ دون توقُّف: حتى في النوم يُصدرُ حوالي ثلاثةً وعشرين واطًّا من الطاقة الكهربائية ــ ما يكفي لإضاءة مصباح. وهو يعالجُ مئتين وسبعةً وعشرين مليونَ قطعة من المعلومات في ثانيةٍ واحدة.

ثانيًا: العينان ــ مختبرٌ ضوئيٌّ معلَّقٌ في الرأس

في شبكية العين عشرُ طبقات، في آخرها مئةٌ وأربعون مليون مستقبلٍ للضوء ما بين مخروطٍ وعصية. ويخرجُ من العين على الدماغ عصبٌ بصريٌّ يحتوي على خمسمئة ألف ليفٍ عصبي.

هذه المئةُ وأربعون مليون مستقبل تعملُ في آنٍ واحد، كلٌّ منها يُسجِّلُ شدَّةَ الضوء ولونَه ومسافتَه، ويُرسلُ هذه المعلوماتِ إلى الدماغ في جزءٍ من الثانية لتتحوَّلَ إلى صورةٍ ثلاثية الأبعاد ملوَّنة كاملة.

والعينُ تستطيعُ التمييزَ بين عشرة ملايين درجةٍ من الألوان، وهي تُجري ما يقاربُ مئةَ ألف حركة في اليوم الواحد، ونومُك في الليل هو الوقتُ الوحيدُ الذي ترتاحُ فيه العضلاتُ المحرِّكة لها.

ثالثًا: القلبُ ــ المحرِّكُ الذي لا يتوقَّف

القلبُ عضلةٌ صنوبرية الشكل، لا تكبُرُ كثيرًا عن قبضة يدك، غير أنَّها تحملُ سرَّ الحياة. يبدأُ نبضُه قبلَ أن تتشكَّلَ أعضاؤُك الأخرى في الرحم، ولا يتوقَّفُ حتى لحظة الموت.

في اليوم الواحد يضخُّ القلبُ ما يزيدُ على سبعةٍ وعشرين ألف لتر من الدم عبرَ نظامٍ من الأوعية الدموية يبلغُ إجماليُّ طولها مئةً وخمسةً وعشرين ألفَ كيلومتر ما يكفي للدوران حولَ الأرض أكثرَ من ثلاث مرَّات.

وقد أثبتَت الأبحاثُ الحديثة أنَّ القلبَ المادي يحملُ المشاعرَ والأحاسيسَ والأذواقَ والميول. ففي عمليات زرع القلب تبيَّنَ أنَّ متلقِّي القلب يكتسبُ أحيانًا مشاعرَ وميولًا من صاحب القلب الأصلي، مما يُؤكِّدُ أنَّ ما وصفَه القرآنُ الكريم بـ﴿قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ له بُعدٌ ماديٌّ حقيقي يُصدِّقُه العلمُ الحديث.

رابعًا: الجلدُ ــ الحارسُ الذكيُّ الذي تسكنُه

الجلدُ أكبرُ أعضاء الجسم، يُغطِّي ما يزيدُ على مترين مربَّعين. وهو ليس مجرَّد غلافٍ حامٍ، بل مصنعٌ متكاملٌ يعملُ على مدارِ الساعة.

تحتَ سطح الجلد ستَّة عشرَ مليونَ مكيِّفٍ لحرارة البدن وهي الغُددُ العرقية. هذه الغددُ تعملُ بالتوافق مع الجهاز العصبي لتُحافظَ على درجة حرارة الجسم في ثلاثة وثلاثين درجةٍ مهما تغيَّر الجوُّ من حولك وهو توازنٌ دقيقٌ لو اختلَّ درجةً واحدةً لكانت الكارثة.

وخلايا الجلد تتجدَّدُ كلَّ أربعة أسابيع تقريبًا، وهو ما يعني أنَّك كلَّ شهرٍ ترتدي جلدًا جديدًا حرفيًّا. وكل سنتيمترٍ مربَّع من جلدك يضمُّ ما يزيدُ على ستَّة ملايين خلية، وستَّةً وثلاثين مترًا من الأعصاب الدقيقة.

خامسًا: الكبدُ ــ المختبرُ الكيميائيُّ الأعظم

في الكبد ثلاثمئة مليار خلية يمكنُ أن تُجدَّدَ كليًّا خلال أربعة أشهر، ووظائفُ الكبد خطيرةٌ كبيرةٌ مدهشة، حيثُ لا يستطيعُ الإنسانُ أن يعيشَ بلا كبدٍ أكثرَ من ثلاث ساعات.

والكبدُ يُؤدِّي أكثرَ من خمسمئة وظيفةٍ في الوقت ذاته: يُصفِّي الدمَ، ويُنتجُ الصفراء، ويُخزِّنُ الجليكوجين، ويُصنِّعُ البروتينات، ويُحيِّدُ السموم، ويُنتجُ العواملَ المُخثِّرة للدم ــ وكلُّ ذلك في وقتٍ واحد دون أن تشعرَ بشيء.

سادسًا: الكُليتان ــ محطَّةُ التصفية المذهلة

في الكليتين مليونا وحدةِ تصفية، طولُها مجتمعةً مئةُ كيلومتر، يمرُّ فيها الدمُ في اليوم الواحد خمسَ مرَّات.

الكليتان تُصفِّيان في اليومِ الواحد حوالي مئةٍ وثمانين لترًا من الدم، تنتجُ عنها ما بين لترٍ ولترين من البول. وهي تُحافظُ على توازنٍ دقيقٍ جدًّا للأملاح والمعادن والسوائل في الجسم توازنٌ لو اختلَّ بنسبةٍ ضئيلة أصابَ الإنسانَ ما يُصيبُه.

سابعًا: جهازُ المناعة ــ الجيشُ الذي لا تراه

جهازُ المناعة جيشٌ بكلِّ معاني هذه الكلمة، يتألَّفُ من خمس فرق: فرقةٌ استطلاعيةٌ مهمَّتُها نقلُ المعلومات عن الجراثيم الداخلة، وفرقةٌ لتصنيع السلاح في العُقَد اللمفاوية، وفرقةُ المقاتلين ــ سلاحُ المشاة، وفرقةُ الخدمات، وفرقةُ المغاوير التي تلتهمُ الخلايا السرطانية.

والشيءُ الأعجبُ أنَّ هذا الجهازَ يتمتَّعُ بذاكرةٍ مذهلة: إذا صنعَ مصلًّا مضادًّا ضدَّ جرثوم، يبقى هذا المصلُّ محفوظًا في ذاكرته، ولو عادَ الجرثومُ بعدَ سبعين سنةً فوَّرًا يُعطيه المصلَّ المضاد.

وجهازُ المناعة يميِّزُ بين أكثرَ من عشرة ملايين جسمٍ غريب مختلف. وهو يعيشُ في حالة تنبُّهٍ دائمة على مدارِ أربعةٍ وعشرين ساعةً يوميًّا، يُبيدُ الملايينَ من الجراثيم قبلَ أن تُسبِّبَ لك أيَّ أذى، دون أن تشعرَ بشيء.

ثامنًا: الخلية ــ الكونُ في ذرَّة

الجسمُ البشري مكوَّنٌ من سبعةٍ وثلاثين ترليون خلية. كلُّ خلية منها ــ وهي أصغرُ من أن ترى بالعين المجردة ــ تحملُ في داخلها نوعًا من المعجزات لا يُحصى:

داخلَ نواة كلِّ خلية يوجدُ الحمضُ النووي DNA الذي لو مُدَّ بكامله بلغَ طولُه مترين، وفيه ثلاثةُ مليارات حرف جيني تُكوِّنُ ما يزيدُ على عشرين ألفَ جين. وهذه المعلوماتُ الهائلة مُضغوطةٌ في مسافةٍ أصغرَ من مئةِ مليونٍ من المليمتر.

وتُقدِّرُ الدراساتُ أنَّه لو تمَّ طباعةُ المعلومات الجينية لإنسانٍ واحد في كتب، لاحتجتَ لملءِ مكتبة تضمُّ ما يزيدُ على مليون ومئتَي ألف صفحة.

تاسعًا: الإعجازُ في مراحل خلق الإنسان ــ القرآنُ يسبقُ العلم

وصفَ القرآنُ الكريمُ مراحلَ التخلُّق البشري بدقَّةٍ مذهلة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. 

مرحلةُ النشأة ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ تبدأُ من الأسبوع التاسع، حيثُ تأخذُ أحجامُ الرأس والجسم والأطراف في التوازن والاعتدال، ويتحدَّدُ جنسُ الجنين بصفةٍ نهائية. وفي الأسبوع الثاني عشر يتطوَّرُ بناءُ الهيكل العظمي ويظهرُ الشعرُ على الجلد. 

فهذه الآيةُ الكريمة وصفَت قبلَ ألفٍ وأربعمئة سنة ما لم يكتشفَه علمُ الأجنَّة إلَّا في القرن العشرين. وقد ذهلَ العالمُ الكندي المتخصِّصُ في علم الأجنَّة كيث مور حين قرأَ هذا الوصفَ ووجدَه مطابقًا تمامًا لما توصَّل إليه العلمُ الحديث، فأعلنَ إسلامَه.

عاشرًا: أرقامٌ تُدهشُ العقل ــ إحصاءاتٌ من عالَم الجسد

وحتى تتجلَّى عظمةُ هذا الخلق بصورةٍ ملموسة، هذه أرقامٌ من داخل جسمك:

في كلِّ ثانية يُنتجُ نخاعُ عظامك ما يزيدُ على مليونَي خليةٍ دم حمراء جديدة. الرئتان تحويان ما يزيدُ على ثلاثمئة مليون حويصلة هوائية، لو فُرشَت لغطَّت مساحةً تقاربُ ملعبَ كرة قدم. الأمعاءُ الدقيقة يبلغُ طولُها ستَّة أمتار تقريبًا، ومساحتُها الداخلية ــ بسبب الزغاباتِ الدقيقة ــ تُعادلُ مساحةَ ملعبٍ لكرة السلَّة. العظامُ أقوى من الصلب بوزنٍ متساوٍ بخمس مرَّات، وتستطيعُ تحمُّلَ ضغطٍ يبلغُ أربعةَ أمثال ضغطِ الخرسانة المسلَّحة.

الخاتمة ــ عند هذا الجسد تنتهي حججُ المنكِرين

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ هذا السؤالُ القرآنيُّ القصيرُ يحملُ في طيَّاته تحدِّيًا للعقل ودعوةً للبصيرة. فمن تأمَّلَ في هذا الجسدِ حقَّ التأمُّل، لم يجد أمامَه سوى الخضوع. لأنَّ ما فيه من دقَّةٍ وتناسق وتكامل لا يمكنُ أن يكونَ صُدفةً أو عشوائيَّة، تمامًا كما لا يمكنُ أن يُعطيَ انفجارٌ في مطبعةٍ كتابًا مُرتَّبًا ومفهرَسًا.

الجسدُ البشريُّ هو أعظمُ دليلٍ على وجود الخالق، ليس لأنَّنا نؤمنُ بذلك إيمانًا تقليديًّا، بل لأنَّ العلمَ كلَّما تعمَّقَ في أسراره ازدادَ ذهولًا وازدادَ يقينًا أنَّ من خلقَ هذا لا يمكنُ أن يُوصَف إلَّا بأنَّه ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.

جسمُك ليس مجرَّدَ وعاءٍ تسكنُه، بل هو أطلسٌ إلهيٌّ مفتوحٌ أمامَك كلَّ يوم. وكلَّ نبضةٍ من قلبك، وكلُّ نفسٍ تستنشقُه، وكلُّ لمحةٍ تراها بعينَيك ــ هي آيةٌ تقرأُها لو كانَ لك قلبٌ يَعقِل.



 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة