وقفة لغوية وحضارية مع كلمة «مستشفى» و«Hospital»
المقدمة:
ليست الكلمات مجرد حروفٍ تُنطق أو ألفاظٍ تُتداول، بل هي مرايا تعكس ثقافة الأمم وطريقة نظرها إلى الإنسان والحياة. ومن الكلمات التي تستحق التأمل كلمة «مستشفى» في العربية، وكلمة Hospital في اللغات الغربية، إذ تحمل كل منهما وراءها تاريخاً طويلاً ومعاني عميقة تتجاوز حدود البناء الطبي المعروف.
فكلمة Hospital
التي نستعملها اليوم للدلالة على المستشفى، تعود في أصلها إلى الكلمة اللاتينية Hospitale، المشتقة من Hospes التي تعني «الضيف» أو «المضيف». ومن هذا الجذر نشأت كلمات عديدة في اللغات الأوروبية مثل Hospitality بمعنى الضيافة، وHost بمعنى المضيف، وHotel بمعنى الفندق.
وهذا الأصل اللغوي
يكشف لنا أن فكرة المستشفى في الحضارات القديمة لم تكن قائمة على العلاج وحده، بل على استقبال المحتاج ورعايته وإيوائه. فالمريض كان يُنظر إليه بوصفه إنساناً يحتاج إلى عناية واحتضان قبل حاجته إلى الدواء. ولذلك ارتبط اسم المستشفى عندهم بمعاني الضيافة والرعاية والرحمة.
ويذهب بعض الباحثين إلى أن هذا الجذر اللاتيني يرتبط بجذور أقدم تدور حول البيت والعائلة والاستقبال والضيافة، مما يعكس رؤية إنسانية تعتبر المحتاج ضيفاً ينبغي إكرامه والعناية به.
بيت المرضى
الطريف ما يتداوله البعض من أن كلمة Hospital هي اختصار لعبارة:
House Of Sick People Including Treatment And Labor
أي: «بيت المرضى الذي يشمل العلاج والرعاية».
إلا أن هذا التفسير، على الرغم من انتشاره، لا يُعد أصلاً لغوياً معتمداً عند المختصين، بل هو من التفسيرات الشعبية المتأخرة. أما الأصل التاريخي الثابت فهو اشتقاقها من الجذر اللاتيني المرتبط بالضيافة والاستقبال والرعاية.
أما في اللغة العربية،
فإننا نقف أمام لفظةٍ بالغة الدقة والعمق، وهي كلمة «مستشفى».
فالكلمة مشتقة من الفعل شفى، أي برأ من المرض وتعافى منه. وجاءت على وزن مستفعل الدال على الطلب، كما نقول: استغفر أي طلب المغفرة، واستسقى أي طلب السقيا، واستنصر أي طلب النصر.
وعليه فإن معنى مستشفى
وعليه فإن معنى مستشفى هو: مكان طلب الشفاء.
وهنا تتجلى عبقرية اللغة العربية؛ فهي لم تسمِّ هذا المكان «دار الشفاء» أو «بيت الشفاء» على سبيل الجزم، بل سمّته «مستشفى»، أي المكان الذي يقصده الإنسان طالباً للعافية وساعياً إلى الشفاء، من دون ادعاء أن الشفاء مضمون أو محتوم.
فالمريض يدخل المستشفى راجياً الشفاء، والطبيب يبذل جهده في العلاج، والدواء يؤدي وظيفته، لكن النتيجة النهائية تبقى بيد الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإن لفظة «مستشفى» تحمل في داخلها تواضعاً علمياً وإيمانياً في آنٍ واحد؛ فهي تعترف بحدود قدرة الإنسان، وتُقر بأن الشفاء ليس ملكاً للطبيب ولا للمؤسسة الطبية، وإنما هو فضلٌ من الله تعالى، كما قال عز وجل على لسان نبيه إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.
ومن هنا يرى بعض أهل اللغة أن كلمة «مستشفى» أدق من كلمة «مشفى»؛ لأن «المشفى» قد توحي بمكان تحقق الشفاء، بينما «المستشفى» تعبر عن مكان يُطلب فيه الشفاء ويُرجى حصوله، وقد يتحقق وقد لا يتحقق.
وإذا انتقلنا من اللغة إلى التاريخ،
وجدنا أن الحضارة الإسلامية قدّمت إسهاماً عظيماً في تطوير المستشفيات وجعلها مؤسسات علمية وطبية متكاملة. فمع أن الأمم السابقة عرفت أشكالاً مختلفة من أماكن علاج المرضى، إلا أن المسلمين كانوا من أوائل من أسسوا المستشفى المنظم الذي يجمع بين العلاج والتعليم والبحث العلمي والرعاية الإنسانية.
وقد عُرفت هذه المؤسسات باسم «البيمارستانات»، وانتشرت في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة وغيرها من حواضر العالم الإسلامي. وكانت تستقبل المرضى مجاناً، وتوفر لهم العلاج والدواء والغذاء والرعاية حتى يتماثلوا للشفاء، دون تمييز بين غني وفقير أو بين جنس وآخر.
ومن أشهر تلك المؤسسات
ومن أشهر تلك المؤسسات البيمارستان النوري والبيمارستان المنصوري، اللذان عُدّا من أعظم المراكز الطبية في عصرهما.
كما أن الحضارة الإسلامية أنجبت أعلاماً كباراً في الطب والجراحة، منهم أبو بكر الرازي الذي وضع أسساً مهمة للطب السريري، وابن سينا صاحب كتاب «القانون في الطب» الذي بقي مرجعاً عالمياً لقرون طويلة، وأبو القاسم الزهراوي الذي يُلقب بأبي الجراحة الحديثة، وقد ابتكر العديد من الأدوات الجراحية التي كانت أساساً لتطور الجراحة في العالم.
معنى الضيافة والرعاية،
وهكذا نرى أن كلمة Hospital حملت في أصلها معنى الضيافة والرعاية، وأن كلمة مستشفى حملت معنى طلب الشفاء والتداوي، ثم جاءت الحضارة الإسلامية لتجمع بين المعنيين معاً؛ فأنشأت مؤسساتٍ تستقبل الإنسان بكرامة، وتُحسن رعايته، وتسعى إلى علاجه، وتُعلِّم الأطباء، وتُطوِّر العلوم.
فالمستشفى في حقيقته ليس مجرد جدران وأجهزة وأسِرّة، بل هو مكان تلتقي فيه آمال المرضى بجهود الأطباء، وتلتقي فيه أسباب الأرض برحمة السماء. وهو مدرسةٌ يتعلم فيها الإنسان معنى الضعف الإنساني، وقيمة العلم، وحقيقة التوكل على الله.
ومهما بلغت العلوم من تقدم، وتطورت الأجهزة من دقة، وتنوعت وسائل العلاج، يبقى الشفاء سراً من أسرار الله، يضعه حيث يشاء، ويمنحه لمن يشاء. ولذلك تبقى كلمة «مستشفى» من أجمل الكلمات العربية؛ لأنها تختصر رحلة الإنسان كلها بين الألم والأمل، وبين المرض والرجاء، وبين سعي المخلوق ورحمة الخالق.
إرسال تعليق