فن قراءة العقول… بين التعريف والحقيقة
يُعدّ
فن قراءة العقول من أكثر المفاهيم التي أثارت فضول الإنسان عبر العصور، لما يحمله
من غموض وجاذبية وتشويق. ففكرة أن يستطيع شخص ما أن يعرف ما يدور في ذهن الآخر، أو
يكشف مشاعره وأفكاره الخفية دون كلام مباشر، تبدو للكثيرين قدرة خارقة تتجاوز حدود
المألوف.
التعريف:
فن
قراءة العقول هو مصطلح يُستخدم للدلالة على القدرة أو المهارة في استنتاج ما يفكر
به الآخرون، أو فهم مشاعرهم ونواياهم، من خلال الملاحظة الدقيقة للسلوك، وتعابير
الوجه، ولغة الجسد، ونبرة الصوت، والقرائن النفسية والاجتماعية، دون تصريح مباشر
منهم.
وبعبارة
أوضح: هو ليس قراءة فعلية للأفكار كما تُصوَّر في القصص والأفلام، بل هو فن فهم
الإنسان وتحليل إشاراته الظاهرة للوصول إلى ما يدور في داخله.
بين الحقيقة والوهم
حتى
اليوم، لم يثبت العلم وجود قدرة بشرية خارقة تمكّن الإنسان من قراءة أفكار الآخرين
بشكل مباشر. فلا توجد أدلة علمية قاطعة تؤكد أن شخصاً يستطيع النفاذ إلى عقل غيره
ومعرفة ما يدور فيه بمجرد النظر أو التركيز.
لكن
ما يحدث في الواقع هو أمر آخر؛ إذ يمتلك بعض الأشخاص مهارات عالية في فهم الناس،
مما يجعلهم يبدون وكأنهم يقرأون العقول، بينما هم في الحقيقة يقرأون التصرفات
والانفعالات والإشارات.
كيف يتم ذلك؟
غالباً
ما يعتمد من يُوصفون بهذه المهارة على مجموعة من الأدوات النفسية والاجتماعية،
منها:
ــ قراءة
لغة الجسد: كطريقة الجلوس، وحركة اليدين، ونظرات العين.
ــ تحليل
تعابير الوجه: فالوجه كثيراً ما يكشف ما يخفيه اللسان.
ــ الاستنتاج
الذكي: عبر ربط المعلومات السابقة بالموقف الحالي.
ــ الملاحظة
الدقيقة: للملبس، واللهجة، وردود الفعل.
ــ الأسئلة
المبطنة: التي تبدو عادية لكنها تكشف الكثير.
ــ الإيحاء
النفسي: توجيه الشخص للتفكير بشيء معين ثم الادعاء بمعرفته.
وهكذا،
فإن ما يُسمّى قراءة العقول هو في أغلب الأحيان قراءة للسلوك لا للعقل.
لماذا يصدق الناس ذلك؟
لأن
الإنسان قد يكشف نفسه دون أن يشعر. فهو يتحدث بعينيه، وينكشف بتردده، ويبوح
بملامحه أكثر مما يبوح بكلامه. فإذا أخبره أحدهم بما يوافق حاله، ظن أنه عرف ما في
داخله، بينما الحقيقة أن ذلك الشخص التقط إشارات لم ينتبه لها هو نفسه.
موقف لطيف من الواقع
ومن
الطريف في هذا الباب، أن أحدهم خاطبني اليوم بثقة وقال: أنا أعلم الآن ما يدور في
رأسك من أفكار ومواضيع، ولو بشكل بسيط، فأنت تفكر في كذا وتريد أن تعمل كذا.
فابتسمت
وقلت له مازحاً: يبدو أنك أصبحت أبا علي الشيباني، وخبيراً في أمور المكاشفات وما
يقوله للأستاذ!
فردّ
الأخ سريعاً: بل أضرب من ذلك!
وهذا
النوع من المواقف يتكرر كثيراً في حياتنا؛ إذ يظن بعض الناس أنهم بلغوا مرتبة كشف
الخواطر، بينما هم في الغالب يعتمدون على معرفة سابقة بطبيعة الشخص، أو ملاحظة
حالته النفسية، أو مجرد التخمين الذكي الذي قد يصيب مرة ويخطئ مرات.
في العروض والبرامج
اشتهر
بعض فناني الخفة والبرامج الترفيهية بما يسمّى قراءة العقول، حيث يدهشون الجمهور
بمعرفة أفكارهم أو توقع اختياراتهم. إلا أن هذه العروض تعتمد غالباً على: الحيل
المسرحية، سرعة الملاحظة، الإعداد المسبق، الخداع البصري، علم النفس التطبيقي، التأثير
الجماهيري. أي أنها فن أداء وتمثيل أكثر من كونها قدرة غيبية.
القراءة الحقيقية للعقول
إذا
أردنا التعبير بدقة، فإن أقرب ما يكون إلى قراءة العقول هو: حسن الإنصات، فهم
النفس البشرية، الذكاء العاطفي، الخبرة الاجتماعية، الفراسة المعتدلة، معرفة طبائع
الناس
فالإنسان
الحكيم قد لا يعرف ما في رأسك حرفياً، لكنه قد يفهم ما في قلبك من نظرة واحدة.
وعليه
ينبغي الحذر من كل من يدّعي معرفة الغيب أو أسرار النفوس على وجه القطع، لأن هذا
الباب قد يُستغل في الخداع أو الابتزاز أو الشعوذة، خاصة عند من يلبس الوهم ثوب
الحكمة.
إرسال تعليق